الشيخ محمد النهاوندي
463
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وعن القمي قال : كان سببهم أن الذي هيّج الحبشة على غزوة اليمن ذو نؤاس ، وهو آخر من ملك حمير ، تهوّد واجتمعت معه حمير على اليهودية ، وسمّى نفسه يوسف ، وأقام على ذلك حينا من الدهر ، ثمّ اخبر أنّ بنجران بقايا قوم على دين النصرانية والمسيحية وعلى حكم الإنجيل ، ورأس ذلك الدين عبد اللّه بن رياس « 1 » ، فحمله أهل دينه على أن يسير إليهم ويحملهم على اليهودية ، يدخلهم فيها ، فسار حتّى قدم نجران ، فجمع من كان بها على دين النصرانية ، ثمّ عرض عليهم دين اليهودية والدخول فيها ، فأبوا عليه ، فجادلهم وعرض عليهم وحرص الحرص « 2 » كلّه ، فأبوا عليه ، وامتنعوا من اليهودية والدخول فيها ، واختاروا القتل ، فاتّخذ لهم أخدودا ، وجمع فيه « 3 » الحطب ، وأشعل فيه النار ، فمنهم من احرق بالنار ، ومنهم من قتل بالسيف ، ومثّل بهم كلّ مثلة ، فبلغ عدد قتل وأحرق بالنار عشرين ألفا ، وأفلت رجل منهم يدعى دوس ذو ثعلبان على فرس له وركضه « 4 » ، واتبعوه حتى أعجزهم في الرمل ، ورجع ذو نؤاس إلى ضيعة « 5 » في جنوده « 6 » . وروى الفخر الرازي عن أمير المؤمنين عليه السّلام : أنّهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال : « هم أهل الكتاب ، وكانوا متمسّكين بكتابهم ، وكانت الخمر قد احلّت لهم ، فتناولها بعض ملوكهم ، فسكر فوقع على أخته ، فلمّا صحا ندم وطلب المخرج ، فقالت له : المخرج أن تخطب الناس فتقول : إنّ اللّه تعالى قد أحلّ نكاح الأخوات ، ثمّ تخطّبهم بعد ذلك فتقول : إنّ اللّه حرّمه ، فخطب فلم يقبلوا منه ذلك فقالت له : ابسط فيهم السوط ، فلم يقبلوا ، فقالت : ابسط فيهم السيف ، فلم يقبلوا ، فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران ، وطرح من أبى فيها ، فهم الذين أراد اللّه بقوله : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ » « 7 » . وعن الباقر عليه السّلام قال : « ارسل عليّ عليه السّلام إلى أسقف نجران يسأله عن أصحاب الأخدود ، فأخبره بشيء . فقال : ليس كما ذكرت ، ولكن ساخبرك عنهم ، إنّ اللّه بعث رجلا حبشيا نبيا ، وهم حبشة فكذّبوه ، فقاتلهم فقتلوا أصحابه ، وأسروه وأسروا أصحابه ، ثمّ بنوا له حيرا « 8 » ، ثمّ ملأوه نارا ، ثمّ جمعوا الناس فقالوا : من كان على ديننا وأمرنا فليعتزل ، ومن كان على دين هؤلاء فليرم نفسه في النار معه ، فجعل أصحابه يتهافتون في النار ، فجاءت امرأة معها صبيّ لها ابن شهر ، فلمّا قربت هابت ورقّت على ابنها ، فناداها الصبيّ ، لا تهابي وارميني ونفسك في النار ، فانّ هذا واللّه في اللّه قليل . فرمت بنفسها
--> ( 1 ) . في المصدر : عبد اللّه بن بريا ، وفي تفسير الصافي : عبد اللّه بن برياس ، وفي تاريخ الطبري 2 : 122 ، والكامل في التاريخ 1 : 429 ، عبد اللّه بن الثامر . ( 2 ) . في النسخة : بينهم وحرض الحرض . ( 3 ) . في النسخة : فيها من . ( 4 ) . ركض الفرس برجله : استحثّه للعدو . ( 5 ) . في المصدر : ضيعته . ( 6 ) . تفسير القمي 2 : 423 ، تفسير الصافي 5 : 309 . ( 7 ) . تفسير الرازي 31 : 117 . ( 8 ) . الحير : شبه الحظيرة أو الحمى .